الملابس والذاكرة
يعرف كل مصري معنى كسوة العيد. تلك الليلة التي توضع فيها الملابس الجديدة إلى جوار السرير، ويستيقظ الأطفال قبل الفجر ليلبسوها ويخرجوا بها إلى الصلاة والشارع والأقارب. لم تكن ملابس العيد أغلى ما في البيت دائما، لكنها كانت الأقرب إلى القلب، لأنها ارتبطت بيوم بعينه وفرحة بعينها.
ويعرف أيضا ترزي الحي، ذلك الرجل الذي يجلس خلف ماكينته في دكان صغير، يأخذ المقاسات بشريط معلق على كتفه، ويعرف أهل الشارع بأسمائهم وأحجامهم. كانت القطعة تخرج من عنده على مقاس صاحبها تماما، وكان إذا أصلح بنطالا أو ضيق قميصا أعاده كأنه جديد.
وفي بيوت كثيرة كانت الملابس تنتقل من الأخ الأكبر إلى الأصغر، ومن الأم إلى ابنتها. سترة يلبسها الكبير سنوات، ثم تعدل قليلا لتناسب الصغير، فيحمل معها شيئا من أخيه. لم يكن أحد يرى في ذلك نقصا، بل كانت القطعة تكسب قيمة كلما مرت على يد جديدة.
هذه الذاكرة هي ما نحاول أن نستعيده. لا نريد أن نعود إلى الماضي، بل أن نأخذ منه ما يستحق البقاء: أن تكون للملابس قيمة تتجاوز ثمنها، وأن تحمل شيئا من أصحابها، وأن تعيش أطول من موسم واحد.

مصر في التفاصيل
حين نفكر في تصميم جديد، لا نبحث عن الإلهام بعيدا. يكفي أن نمشي في شوارع القاهرة القديمة، أو أن نقلب صفحات جريدة صفراء من الستينيات، أو أن ننظر إلى لافتة دكان كتبها خطاط بيده قبل خمسين عاما.
في هذه الأشياء الصغيرة لغة بصرية مصرية خالصة: حروف الرقعة العريضة في مانشيتات الصحف القديمة، والخط الكوفي الهندسي على واجهات المحلات، والألوان التي بهتت تحت الشمس حتى صارت أجمل مما كانت. وفيها أيضا روح السخرية والدفء التي يعرفها كل من عاش في هذا البلد.
لا ننقل هذه الأشياء كما هي، ولا نصنع ملابس تبدو كأنها تذكار للسياح. نأخذ منها الإحساس، ونترجمه إلى قطعة تلبس اليوم في شارع حديث. كتابة على الصدر تذكرك بشيء رأيته من قبل دون أن تعرف أين، ولون يشبه جدارا مررت به في طفولتك.
نريد لمن يلبس قطعة من ميراث أن يشعر بأنها خرجت من هنا، من هذا المكان بالذات، حتى لو لم يكن على القطعة كلمة واحدة عن مصر.
نأخذ من الشارع المصري الإحساس، ونترجمه إلى قطعة تلبس اليوم.
